سلسلة افات على الطرقات


بسم لله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى آله وأصحابه والسالكين سبيله والداعين بدعوته إلى يوم الدين بعد ......

فإن توضيح معالم الطريق أمام العاملين الفارين بدينهم إلى ربهم كي يعدوا لكل أمر عدته ويأخذوا لكل شئ أهبته فلا ينقطعوا ولا يتوانوا ولا يتأخروا عن ركب النجاة ضرورة لا مفر منها ولا محيص عنها توجبها الدعوة إلى الله والجهاد من أجل التمكين لدينه في الأرض .

ولعل من أهم هذه المعالم :أن هناك آفات يمكن أن يصاب بها بعض العاملين بل قد تصيبهم بالفعل فتقعد بهم عن أداء دورهم والقيام بواجبهم .

ويطيب لنا في هذا المقام : أن نعرض لهذه الآفات بشيء من التحليل والبيان كي يحذرها العاملون ويتطهروا منها .
و على الله قصد السبيل



تابعو جميع السلسلة على اخوات طريق الاسلام








لا تيأسي من روْح الله (التقطي انفاسكِ ...)



أختي المريضة : لا تيأسي من العلاج، فإن يأسكِ من سوء الظن بالله، وهو عليكِ حرام بنص قول الله جل وعلا : " وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ " [يوسف: 87]، وقوله سبحانه : " لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" [الزمر: 53] .

فاليأس ـ أختي ـ من تسويلات الشيطان، فهو من أحد أسلحته التي يستعملها لإبعاد العباد عن الله، والتفريق بين المؤمن وربه ، وهذا السلاح سلاحه مع عموم أهل البلاء؛ فكيف بالمريض الذي طال به البلاء.. واستطال عليه الداء، فلا شك أن الشيطان ينتهز فرصة ضعفة وضيقة، وعسره لينفث في قلبه اليأس ويقتل في نفسه الأمل في الله .

صورة
أختي المريضة : تذكري أن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه القادر على كل شيء، " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ " [يس: 822]، فكم من مريض يئس الأطباء من دوائه، وقنطوا من شفائه، فتضرع إلى الله واستمطر رحمته، وألح عليه في الدعاء بالشفاء، " وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ " [الشعراء: 800]، فاستجاب الله له  الدعاء، وكشف البلاء، حتى حار في أمره الأطباء، وذهلوا وعلموا أن الشفاء بيد خالق الشفاء .

فكم من مريض ابتلي بالسرطان وهو أخبث الأمراض وأعصاها.. فيئس منه الأطباء، وأخبروه باستحالة الشفاء، فلما لجأ إلى الله كشف كربه وأظهر في شفائه عجائب قدرته ، والقصص في هذا الباب كثيرة لا تحصى .

صورة

أختي فاحذري أن تيأسي من رحمة الله.. فإن يأسكِ جهل بالله، لما ينطوي عليه من تجاهل لقدرته.. واستكبار على الاستعانة بعظمته.. فالله أعظم من أن يعجزه شفاؤك.. وأرحم من أن يرد دعاءك .

فإن تمادى بكِ المرض، ودعوتي فتأخرت الإجابة فلا تيأسي من ربكِ.. ولا تستعجلي الإجابة.. فقد يكون تأخيرها رحمة بكِ.. وقد يكون اختبارا لإيمانكِ ويقينكِ !
تأملي في قول الله جل وعلا عن أيوب : " إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ " [ص: 44]، فكيف وجده صابرا ؟ لقد  ابتلاه في جسده حتى نفر منه الناس كل الناس إلا زوجه، واثنان من أصحابه، ثم لم يزل الصاحبان معه حتى جاء يوم فقال أحدهما للآخر : إنما ابتلي أيوب بما ابتلي به بسبب ذنب فعله ! فانظر إلى هذا البلاء ! ثم انظر إلى مدته.. فقد لبث به ثماني عشرة سنة.. لم يجزع ولم يضجر.. ولم يتوان عن طاعة الله ولم يتأخر ! ولم يتسخط من تأخر الدعاء ولم ييأس.. كل هذا وعين الله تراه وترعاه.. فلما علم الله منه ذلك، شهد له بالصبر.. وامتدحه به وبالإنابة إليه.. وأبدل مرضه شفاء، وكفاه وأغناه .

صورة

أختي : فتضرعي إلى الله بثقة وعزم.. ونية وإخلاص.. فإنه سبحانه أقرب إليكِ من حبل الوريد.. وهو نعم المداوي ونعم الطبيب .

أختي المريضة : فها قد علمتي أن مرضكِ.. مهما كان سببه.. ومهما عظم خطبه.. هو رحمة من الله.. يغفر به ذنبك.. وتمحى به سيئاتك.. وترفع به درجاتك، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما ضرب على مؤمن عرق قط إلا حط الله عنه خطيئة وكتب له حسنة ورفع له درجة» [رواه الطبراني في الأوسط] .

فتذكري أنه نعمة باعتبار ثماره.. وإن كان ظاهره نقمة باعتبار أضراره !

وتذكري أيضا أنه مهما طال فهو في النهاية إلى زوال.. وأن خيره وفضله وثوابه جزيل في المآل !

صورة

فاحذري أن تفوتي على نفسكِ فرصة قطف ثماره !
واحذري من الجزع على أضراره.. فإنه نقمة في طياتها نعمة.. وبلية في طيتها مزية.. ومحنة في طيتها منحة..  فاكسبيها إذن بحسن الصبر.. وأدب الرضا.. والاستسلام لحكم الله وقضائه، بل من عمق فقهكِ وجميل فهمكِ أن تشكري الله جل وعلا وتحمديه على كل حال.. لأنه سبحانه أصاب منكِ.. وهو سبحانه إذا أصاب عبده بشيء فإنما أراد به خيرا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من يرد الله به خيرا يصب منه» [رواه البخاري] .

وهذا الفقه أعمله السلف الصالح في حياتهم، فكانوا يفرحون بالمرض والبلاء كما يفرحون بالنعمة والرخاء .

عاد رجل من المهاجرين مريضا فقال : " إن للمريض أربعا : يرفع عنه القلم، ويكتب له من الأجر مثل ما كان يعمل في صحته، ويتبع المرض كل خطيئة من مفصل من مفاصله فيستخرجها، فإن عاش عاش مغفورا له، وإن مات مات مغفورا له، فقال المريض : اللهم لا أزال مضطجعا "..

صورة

النفس تشتاق (كيف أنجح في حفظ القرآن؟)




لتلاوة كتاب الله وتدبُّر معانيه لذة تشتاق النفوس لتذوقها كل حين.

وكذلك للبُعد عنه والانشغال بأمور الدنيا ألَمٌ يمزق الفؤاد ويشتت النفس.
قال الله تعالى: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) [طه: 124]، 
ويقول تعالى( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) [الزخرف: 36].

والنفس تتقلب ما بين هذا الاشتياق وذلك الألم:

 فحين تنظرين لحياتك، وتتأملين تعلقها بالدنيا، تشعرين بجفاء روحك وهي بعيدة عن القرآن، وتشعرين بالضياع أمام الفتن والشبهات والشهوات.

 وحين ترتلين الآيات، وتستمدين من نورها ما يُثبِّت فؤادك، ويطفئ نيران الفتن، تجدين أن روحك تشتاق للمزيد من عبيرها، لتُفجر في قلبك ينابيع الخشية والتوبة والإنابة.

فيفيض القلب بمشاعر الإيمان، وتُسرع النفس للاستجابة لأوامر الرحمن، فلا تهزها الأمواج المتلاطمة، ولا تُطفئ نورها الرياح العاتية..


وبين هذا وذاك تشتاق النفس لحفظ كتاب الله:

تشتاق النفس للحفظ كلما قمتِ للصلاة راغبة في المكوث بين يدي الله مرتلة لآياته، لكنك تتراجعين عن قرارك حينما تجدين رصيدك من الآيات المحفوظة قليلًا.

 تشتاق النفس للحفظ كلما رغبتِ في تدبر الآيات واستشعار معانيها؛ لتسمو روحكِ معها، لكنك تضطرين إلى الانتظار لحين تفرُّغكِ من واجباتك لتستطيعي الإمساك بقرآنك.

تشتاق النفس للحفظ كلما جلستِ مع أبنائك لتعليمهم أمور دينهم، لكنك تعجزين عن الاستدلال بالآيات المناسبة لموضوعك.

تشتاق النفس وتشتاق.

وتحلُمُ باليوم الذي تختم فيه حفظ القرآن.

لكن حين تبدئين في تحويل ذلك الحُلْم إلى حقيقة؛ ليكون بداية تكوين علاقة عميقة مع كتاب الله عز وجل، تجدين نفسك تتشتت، وتصطدمين في طريقك بالكثير من العَقَبات التي تعُوقك عن الاستمرار في الحفظ.

ووقتها تحتارين وتتساءلين:


كيف حفِظ من سبقوني القرآنَ رغم اختلاف أعمارهم؟

كيف حفظ من سبقوني القرآن وبعضهم لا يتحدث العربية؟

كيف حفظ من سبقوني القرآن من مختلف أنحاء العالم؟


ومِن هنا تبدئين رحلة البحث عن طرق الحفظ المختلفة للقرآن؛ لعلك تجدين مِن بينها الطريقة التي تعينك على تحقيق حُلْمك ومُرادك.

ومع محاولاتك العديدة، والتنقل من طريقة لأخرى، تجدين أسئلة أخرى تتبادر إلى ذهنك، وهي:

لماذا لم أنجح حتى الآن في حفظ القرآن رغم محاولاتي الكثيرة؟

وكيف نجح كل هؤلاء في حفظ القرآن رغم اختلاف طرق الحفظ لديهم؟

وكيف استطاعوا الحصول على حفظ ثابت وراسخ، حفظ يستمر معهم مدى الحياة؟

وهنا تكون الوقفة الحقيقية، ونقطة التحوُّل في رحلتك مع القرآن.

فالحفظُ هو مشروع العمر، وهو البداية الحقيقية للحياة؛ فلا حياةَ بدون العيش مع القرآن.



وحفظ القرآن هو وسيلة لتربية النفس وتهذيبها قبل أن يكون وسيلة لتكوين علاقة عميقة تُقربك من الله عز وجل، وحتى تنجحي في حفظ القرآن، فلا بد أن تدركي بعض الأمور، وتتدربي على بعض المهارات، منها:

1- التجرُّد مِن حَوْلك وقوتك، واليقين أنه لا حول لكِ ولا قوة إلا بالله، مع إخلاص النية لله عز وجل؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول مَن تُسعَّر بهم النارُ يوم القيامة: ((ورجلٌ تعلم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به، فعرَّفه نِعمه، فعرَفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالمٌ، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئٌ، فقد قيل، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار))؛ رواه مسلم [1905].

وتذكَّري أنك مهما بلغت من الذكاء وقوة الذاكرة، فلن تبلغي المرام ولن توفَّقي في حفظ أي آية إلا بالاستعانة بالله، والتذلُّل بين يديه بالدعاء..

2- للصُّحبة القرآنية أهمية كبيرة في حياة الإنسان للتقوِّي على العبادة؛ يقول الله تعالى على لسان موسى عليه السلام: ( هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا *وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ) [طه: 30 - 34].

فالمؤمن للمؤمن كالبنيانِ، يشُد بعضُه بعضًا، ويُعينه على الطريق..

3- رغم أهمية الصحبة القرآنية، فإنه ينبغي أن ينبُعَ الدافعُ لحفظ القرآن مِن داخلكِ أنتِ.

فصحبتُكِ القرآنية إن بدأت معكِ الحفظ، فغالبًا لن تستمر معكِ للنهاية؛ لظروف الحياة المختلفة، وبالتالي لا ينبغي لك الاعتماد عليهن كثيرًا، فتجدي نفسَكِ تنشطين حين نشاطهم، وتفتُرِين حين فتورِهم.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: ((يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارتقِ، ورتِّلْ كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلتَك عند آخر آيةٍ تقرأ بها))؛ حسن صحيح، رواه الترمذي [2914].

فهل ستجعلين منزلتك مرهونة بقوة دفع رفيقاتك وحثهم لك؟ أم ستكون علاقتك بالقرآن علاقة خاصة وعميقة؛ فيصاحبك في قلبك في كل مكان قربة لله عز وجل؟!

4- لا بد أن تدركي أن النجاح يحتاج لمزيج من الجِد والتعب والصبر والاجتهاد؛ فالقرآن الذي نزَل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على مدار 23 عامًا لا يمكن أن يُحفَظَ في أيام، ولا أسابيع.

لذلك عليكِ بالصبر في الحفظ والمراجعة والتثبيت.

وكذلك الصبر على الاستمرار في الحفظ وإتمامه بإتقان، ومقاومة طبيعة النفس البشرية، التي تتعجل النتائج السريعة؛ يقول الله تعالى
: ( وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا ) [الإسراء: 11].

وتذكَّري أن حفظ القرآن لا يتحقق بالتمني، بل لا بد من الجد والاجتهاد، مع عدم الاستسلام للعقبات التي ستواجهك لا محالة؛ ليتم تمحيص الصادق الراغب في حفظ كتاب الله مِن المتمني..

5- عدم التفكير المسبق في الفشل؛ يقول الله تعالى: ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) [القمر: 17].

فاللهُ سبحانه وتعالى يسَّره للحفظ والفهم والتدبُّر.

مع العزم والإصرار على تحقيق الهدف، وعدم اليأس، أو الندم على أي تقصير بالطريق، واليقين بأن هذا هو الطريق الذي ينبغي أن تسيري فيه ولا تحيدي عنه؛قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
 ((المؤمن القوى خيرٌ وأحبُّ إلى الله مِن المؤمن الضعيف، وفي كل خيرٌ، احرص على ما ينفَعُك، واستعِنْ بالله ولا تعجِزْ، وإن أصابك شيءٌ، فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَر الله، وما شاء فعل؛ فإن "لو" تفتحُ عمل الشيطان))؛ رواه مسلم [2664].

وتيقَّني أن تعبَك وتضحياتك وجهودك لن تضيعَ هباءً؛ لقوله تعالى: ( إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ) [الكهف: 30].

6- وضوح الهدف مِن حِفظ القرآن.

فلا يقتصر هدفك على الأجر المترتب على حفظ القرآن فقط، فهذا سيناله كل من حفظ القرآن خالصًا لله عز وجل، بل لا بد أن يكون لك هدف خاص بك يدفعك للحفظ ومواصلة الطريق للنهاية.


(مثال:
• أن يكون الهدف هو التلذذ بالعيش مع القرآن، والسعي لتطبيقه في جوانب حياتك المختلفة.

• أن يكون الهدف هو إكرامَ الوالدينِ بتاج الوقار، مِن باب البِرِّ بهما.

• أن يكون الهدف أن تكوني قدوة لأبنائك فيقتدوا بكِ في حفظ القرآن ويرتبطوا به).

فكلما كان الهدف أوضحَ وأدقَّ، كان الدافع لتحقيقه أقوى، وكان الصبر وبذل الجهد والإصرار والعزيمة على ذلك أكبر..

7- تقسيم الهدف إلى عدة أهداف صغيرة، مع وَضْع خطة زمنية لإنهاء كلٍّ منها، مما يُعِينك على التركيز في ذلك الهدف الصغير.

وحينما ترَيْنَ نجاحك وتحقيقك للأهداف الصغيرة واحدة تلو الأخرى، سيصبح ذلك حافزًا قويًّا يدفعك للاستمرار في رحلتك حتى النهاية.


(مثال:
• يمكنك جعلُ كل سورة عبارة عن هدف صغير تسعين لتحقيقه.
• يمكنك جعل كل جزء عبارة عن هدف صغير تسعين لتحقيقه.
• يمكنك جعل نصف الجزء عبارة عن هدف أسبوعي تسعين لتحقيقه.
• يمكنك جعل ربع الجزء عبارة عن هدف أسبوعي تسعين لتحقيقه
).

8- إدراك أن الحفظ والمراجعة أسلوب حياة.

فاحرصي على جعله جزءًا من روتينك اليومي، الذي لا تستطيعين أن تتخلَّيْ عنه.

بحيث تصنعين لنفسك جدولًا يوميًّا يحتوي على وِرد للحفظ الجديد كل يوم، وورد للمراجعة؛ لتتعاهدي ما سبق أن حفظتِه، وآخر للتثبيت، بكثرة التكرار الذي يصل بك لمرحلة الإتقان.


9- التدرب على القراءة بالحدر، وهي القراءة السريعة بدون الإخلال بأحكام التجويد، وهي أكبر معين على الإنجاز، خاصة في وِرد المراجعة والتثبيت.

في البداية قد يكون الأمر شاقًّا؛ كونك اعتدتِ تلاوة الجزء في أكثر من نصف ساعة، لكن مع التدرب ومرور الأيام والأسابيع، ستصلين لمرحلة تستطيعين فيها تلاوة الجزء في حوالي 15 دقيقة، وسيُفيدك هذا كثيرًا بالمستقبل حينما تحتاجين لمراجعة ما لا يقل عن ثلاثة أجزاء باليوم.

ويمكنك التدرب على تلاوة الحدر من خلال الاستماع لأحد المشايخ ومحاكاته؛ مثل الشيخ ياسر سلامة.


10- المرونة في التخطيط:

لا شك أننا جميعًا نمرُّ بظروف طارئة تضطرنا أن نبتعد عن الحفظ لبعض الوقت.

لكن أهم شيء ألا تجعلي ذلك سببًا للتراخي أو الإحباط أو الفتور، بل ينبغي أن تتحلَّيْ بالمرونة، فإذا حدث ظرف طارئ يضطرك للانشغال عن الجلوس للحفظ، فاستغلي وقتك هذا في الاستماع للآيات، أو المراجعة والتثبيت بسرد الآيات غيبًا بصوت خافت تكاد تسمعه أُذناكِ.

مع محاولة اختيار أوقات مختلفة للحفظ تتناسب مع الظروف المتغيرة.


11- احترام الوقت وتقديره، وحُسن استغلال الثواني قبل الدقائق، فمَن عرَف قيمة الوقت، عرَف فيما يُنفقه، وتحديد زمن محدد للحفظ وعدم ترك وقت الحفظ مفتوحًا، كأن تجعلي وقت الحفظ نصف ساعة يوميًّا، مما يعينك على التركيز والإنجاز.

12- الاستغفارُ والتوبة والتذلُّل بين يدَيِ الله عز وجل عند العجز أو الخطأ أو التقصير في الحفظ.

يقول الشافعي رحمه الله:

شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حِفظي
فأرشَدني إلى تَرْكِ المعاصي

وأخبَرَني بأنَّ العِلمَ نورٌ
ونورُ اللهِ لا يُهدَى لعاصي 


13- يقول الله تعالى: ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) [إبراهيم: 7].

وهو وعدٌ صريح منه سبحانه أن يرزقُك بالمزيد؛ فلا تغفُلي عن شكره دومًا على أنه غرَس في قلبك الحب لحفظ القرآن.

ولا تغفُلي عن شكره يوميًّا على إعانته لك على الحفظ والمراجعة والتثبيت.


كل ما سبق كان نصائح عامة في مشروع الحفظ، وبجانبها تحتاجين للتعرُّف على بعض الأمور التي تعينك على ثبوت الحفظ ورسوخه:

 وِرد التلاوة: فالتلاوة هي مفتاح الحفظ، فبها تألفين الآيات ومواضعها، وبها تمرين على ما سبق أن حفظتِه؛ ليرسخ في ذهنك أكثر، فلا تحرمي عينيك من تأمل الآيات يوميًّا، وأخذ أجر التلاوة.

 التكرار: التكرار، ثم التكرار، ثم التكرار، هو سبيلُك الوحيد للإتقان.

 وِرد الاستماع: وهو أكبر مُعِين على الحفظ بالنطق الصحيح، ونزول الرحمة؛ يقول الله تعالى: ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) [الأعراف: 204]، وهو كذلك مِن عوامل تثبيت الحفظ، وسهولة استرجاع الآيات؛ كونها ارتبطت في ذهنِك بصوتِ تلاوة الشيخ.

 تصفية الذهن من العوامل المشتتة؛ عن طريق إحضار ورقة وقلم بجوارك.

فوضعية الجلوس للحفظ هي وضعية للراحة والاسترخاء؛ مما يعين العقل على تذكر العديد من الأمور التي انشغلت عنها طوال اليوم.

لذلك إذا تذكرتِ شيئًا أثناء جلوسك للحفظ والمراجعة، فعليك بتدوينه في ورقة؛ لتزيليها من عقلك تمامًا، وحتى تتفرَّغي ذهنيًّا للحفظ.

وبعد الانتهاء من الحفظ، اذهبي لتنجزي هذه الأشياء؛ لتتخلَّصي مِن إلحاحها المستمر على عقلِك الباطن.


 المراجعة والتثبيت بسرد الآيات غيبًا، وهي أهم من الحفظ؛ لأنه ما الفائدة من حفظ الجديد إذا لم تسعَيْ للحفاظ على الحفظ القديم؟!

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
 ((تعاهَدوا القرآنَ؛ فوالذي نفسي بيده، لهو أشدُّ تفصِّيًا مِن من الإبل مِن عُقُلِها))؛ رواه البخاري [5033].

 الصلاة بالمحفوظ، وعدم الخشية من النسيان أو الخطأ؛ فالصلاةُ هي أكبر معين على تثبيت الحفظ، والتلذذ بالآيات المحفوظة، والخشوع بين يدَيِ الله، وأفضل الصلاة صلاة النافلة، وأفضلها ركعات في جوف الليل، ولو كانت ركعتينِ بعد العِشاء بنيَّة قيام الليل.

 قراءة تفسير مختصر للآية قبل حفظها؛ فهو مما يُعين على استيعاب الآيات وربط أول الآية بآخرها، وعدم الخَلْط بين المتشابهات، ومِن أجمل التفاسير المختصرة: كتاب "المختصر في التفسير"، نشره مركز تفسير للدراسات القرآنية.

وفي النهاية، تيقَّني أن رحلتَك مع القرآن ستكون إحدى نقاط التحول في حياتك، التي ستكتسبين منها العديد مِن الفوائد والمهارات، منها على سبيل المثال لا الحصر:

1- الاستمتاع بكل لحظة خلال رحلة الحفظ، مِن خلال النظر لآيات القرآن، وتلاوته، والتفكر به، ومحاولة تطبيقه في حياتك، والبحث عن الراحة والأمان في معاني الآيات، وحفظ آياته.

2- تعلُّم كيف يمكنك أن تتخطي أي مصاعب قد تواجهك في حياتك عامة.

3- تعلُّم كيفية التخطيط للأهداف وتقسيمها لأهداف صغيرة، والصبر على تحقيقها، وعدم تعجل النتائج.

4- إدراك أن العبرة بإتقان العمل، وليس بالوقت الذي يتم فيه الانتهاء مِن العمل.

5- إدراك قيمة الوقت وكيفية استغلاله على الوجه الأمثل فيما يُفِيد.

وقد كان كل ما سبق خلاصة تجارِب الكثيرين، وبعض الأبحاث والمقالات.

وأسأله سبحانه أن يحفِّظَنا القرآن على الوجه الذي يحبه ويرضاه، عاجلًا وليس بآجل، وأن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا.

وآخر دعوانا أن الحمدُ لله رب العالمين!



أم عبد الرحمن بنت مصطفى بخيت
يوليو 2016


ضع القلم واهجر الكتـــــــابة







لا أدري أيهما أكثر عشقاً للآخر وأشد تعلقاً به الكاتب بالقلم أم القلم بالكاتب ؟
عشق سرمدي وتعلق وجداني ؛لكنه أحياناً حب من طرف واحد
الكاتب يعشق القلم بلا شك !

،..،

والقلم لا يهيم بأي كاتب ولا ريب ؛بل إن القلم لو نطق لقال لبعض الكتاب (ضع القلم واهجر الكتابة ) .

وكلٍ يدعي وصلاً بليلى --- وليل لا تقر لهم وصالاً

،..،

وعشق الكاتب للقلم لأنه وسيلة تبليغ الخير للغير ،ووسيلة عرض أفكاره على الناس والتواصل معهم والتألم لألمهم والفرح لفرحهم والقلم وسيلة للشهرة أيضاً .

،..،

أما عشق القلم للكاتب فيتوقف على نوعية ما يكتب وجودة ما يعرض وصدق ما يطلب وأهمية ما ينتج .
فالقلم مغلوب على أمره لا يستطيع أن يعبر بصراحة أو ينطق بصدق ؛ليقول لبعض من يكتب (
ضع القلم واهجر الكتابة).

،..،

ومساندة للقلم في أمره ودعماً له في قضيته فسوف نوجه رسالته نيابة عنه ؛ لنقول :
ضع القلم واهجر الكتابة عندما تريد أن تحاد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو عندما تريد أن تشكك في دين الله .

،..،

ضع القلم واهجر الكتابة عندما تنسى هموم أمتك ،فتساند أعدائها بكتاباتك وتحاول المساس بمعتقداتها وأمنها ووحدتها .
ضع القلم واهجر الكتابة عندما لا يكون لك هم إلا إخراج ذوات الخدور من خدورهن بغض النظر عن أين تكون مصلحتهن ؟
ضع القلم واهجر الكتابة عندما تنطلق في كتاباتك من الهوى بغير نور من كتاب أو سنة .
ضع القلم واهجر الكتابة عندما تكتب لتعيش وابحث عن مهنة أخرى

فالكتابة رسالة وعقول الناس أمانة والقلم شاهد والموعد القيامة ،والله يحكم بين عباده .
https://akhawat.islamway.net/forum/index.php?showtopic=345831&hl=

العيادة القلبية (لا هم ولا حزن بعد اليوم)...






قرأت عشرات الكتب التي تؤصل لأهمية "التفكير الإيجابي"، وأثره الرائع على الصحة الجسدية، والنفسية،
والقدرة على الإنجاز، وتحقيق مستوى حياة أكثر استقرارًا، وسعادةً.

لم أنتفع بشيء كما انتفعت "بتدريبات الحمد والشكر"، مصطلح، ونعمة رزقني الله بها،
وجعل جدةَ إحدى صديقاتي -الصعيديات- سببًا في أن تعلمني إياها، إنها حكمة الكبار، أصحاب القلوب الموصولة بالله، والفطرة النقية.








التدريب يتلخص في الآتي:

1 - نسمع دومًا عن فوائد وأهمية التمرينات الرياضية صباحًا، وكيف تنشط الجسم، وتقويه،
وتدريبات الحمد، والشكر هى تنشيطٌ للقلب، والروح، فتبث فيهما ماء الحياة، والأمل، وتطرد عنك تراكمات الهم، والحزن.







2 - ببساطة التمرينات عبارة عن: 
- ورد صباحي حين الإستيقاظ مباشرةً
- ووردٌ ليلي قبل النوم مباشرةً
تنسين أي شيء، ولا تتفكري إلا في نعم الله عليكِ، وتجعلين هذا الورد هو أول ما تفعلين في يومكِ، وآخر ما تفعلين في ليلتكِ
وتبدئين في تعداد النعم: الحمدلله على نعمة الإيمان، الحمدلله على نعمة العافية، الحمدلله على نعمة السمع والبصر، الحمدلله على نعمة العقل، وهكذا.. 
وتراقبين يوميًا قدرتكِ على التفكر، والتعداد، و تبدئين في التفكير في نعم عظيمة أخرى كنتِ غافلًتاعنها، 
و تعددها، و تراقبين تزايد قدرتكِ على استبصار، واضافة نعم جديدة، و فريدة وعديها، 
و مهما حاول عقلكِ الواعي، أو الباطن ليأخذكِ إلى التفكير في الهموم، ومشاغل الحياة ومشاكلها تغلبي عليه،
وبدلًا من أن تنامين و تستيقظين وأنتِ (بتعدين عفاريت السقف، أو هتموتي من الحزن) "على رأي الجدة المباركة"،
نامي و استيقظي وأنتِ تتأملي في أعظم، وأجمل ما أنعم الله عليكِ به، و لن تحاولي أن تحصيها أبدًا، ولو حرصتي!





3 - الفوائد العظيمة لهذه التمرينات القلبية لن أتحدث أنا عنها
سأترككِ أنتِ بنفسكِ تنعمين بأثرها الجميل، الإيجابي على قلبكِ، وروحكِ، ونفسكِ، ومن جمالها، 
لن تستغني عنها أبدًا، وستصبح من أحب، وأجمل عباداتكِ القلبية إليكِ لما ستخلفه من سعادةٍ، وراحةٍ، وقُربٍ من الله
وحبٍ له سبحانه وتعالى، وتصالُحٍ وسلامٍ نفسي ستجدين أثره، وبركته في كل شيء بإذن الله، وتوفيقه، 
يقول سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِين} [الزمر الآية:66]




..• دقائق السعـادة الحَقَّة ♥ ~

بسم الله الرحمن الرحيم

خالد رُوشه

أتحدث ههنا عن لحظات الخلوة بالله سبحانه وبذكره ، ولحظات التفكر في جميل صنعه وكثير نعمه وواسع فضله سبحانه وتعالى،  تلك التي أنصح كل قلب طاهر أن يقتنصها من يومه ، وأن ينتزعها من بين براثن شغله وانشغاله ، ومن بين دقائق الحياة الدائرة المزعجة .

إنها لحظات الحياة الحقة ، التي لا شىء يساويها في هذه الدنيا قدرا وقيمة ومكانة ، أثاقلها بأنفس النفائس ، وأزنها بكل غال في الحياة .

وبينما الناس في شغلهم ، تنسل أنت من بينهم ، وكأنك تجيب داعيا دعاك ، تخرج سائرا لا تلوي على شىء من الحياة ، إلا على هدفك الكريم ، الخلوة بذكر الله سبحانه ، فتصلي في مصلاك ، وتقعد لتذكر الله سبحانه كما علمك رسوله الأكرم صلى الله عليه وسلم ملتزما بطريقته وسنته ، وتتلو أذكار المساء أو الصباح ، وتقرأ وردك القرآني ، وتتمتم شفاهك بالتسبيح والتحميد والتهليل له سبحانه ..

فإذا بك تجد نفسك المفقودة بين مدعكة الحياة اليومية ، وتجمع شملك المتناثر بين ألوان الجواذب المختلفات ، تجمع يديك وترفعهما برجاء مخلص من قلب نقي ملب للنداء .
صورة صورة

إنها استراحة إيمانية يومية ، يكررها الصالحون في الغداة والعشي ، بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر ، وربما زادوا على ذلك ، ولاشك أنهم سيزيدون في جوف الليل الآخر وعند السحر ، حيث ينام الخلائق ، إلا الذين يحملون هم اللقاء القريب ، ويرتجون الجنة ويهربون من النار ..
عن جابر بن سمرة رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسناً " أخرجه مسلم.

وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : (( لأن أقعد أذكر الله تعالى وأكبره وأحمده وأسبحه وأهلله حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق رقبتين ( أو أكثر ) من ولد إسماعيل ومن بعد العصر حتى تغرب الشمس أحب إلى من أن أعتق أربع ( رقاب ) من ولد إسماعيل " رواه أحمد وحسنه الألباني.

وعن ابي أمامة رضي الله عنه قال : رآني النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنا أُحرِّك شفتَيَّ فقال لي بأيِّ شيءٍ تُحرُّك شفتَيْك يا أبا أُمامةَ؟ فقلتُ: أذكرُ اللهَ يا رسولَ اللهِ.. فقال: ألا أخبرُك بأكثرَ وأفضلَ من ذكرِك باللَّيلِ والنَّهارِ قلتُ: بلى يا رسولَ اللهِ قال تقولُ: سبحانَ اللهِ عددَ ما خلق ، سبحانَ اللهِ ملءَ ما خلق ، سبحانَ اللهِ عددَ ما في الأرضِ [والسَّماءِ] ، سبحانَ اللهِ ملءَ ما في الأرضِ والسَّماءِ ، سبحانَ اللهِ عددَ ما أحصَى كتابُه ، سبحانَ اللهِ ملءَ ما أحصَى كتابُه ، سبحانَ اللهِ عددَ كلِّ شيءٍ ، سبحانَ اللهِ ملءَ كلِّ شيءٍ ، الحمدُ للهِ عددَ ما خلق ، والحمدُ للهِ ملءَ ما خلق ، والحمدُ للهِ عددَ ما في الأرضِ والسَّماءِ ، والحمدُ للهِ ملءَ ما في الأرضِ والسَّماءِ ، والحمدُ للهِ عددَ كلِّ شيءٍ ، والحمدُ للهِ ملءَ كلِّ شيءٍ " أخرجه النسائي وابن خزيمة وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.

أرخِ ثُمَّ شـدِّد ~

أرخِ ثم شدِّد:

وهي طريقة التشريع الإلهي أيضا في بعض ملامحه يصفها ابن القيم فيقول :
" فينقل عباده بالتدريج من اليسير إلى ما هو أشد منه لئلا يفجأ هذا التشديد بغتة فلا تحمله ولا تنقاد له ، وهذا كتدريجهم في الشرائع شيئا بعد شيء دون أن يؤمروا بها كلها وهلة واحدة ، وكذلك المحرمات ، ومن هذا أنهم أمروا بالصلاة أولا ركعتين ركعتين ؛ فلما ألفوها زيد فيها ركعتين أخريين في الحضر ، ومن هذا أنهم أُمروا أولا بالصيام وخُيِّروا فيه بين الصوم عينا وبين التخيير بينه وبين الفدية ؛ فلما ألِفوه أُمروا بالصوم عينا ، ومن هذا أنهم أُذِن لهم بالجهاد أولا من غير أن يوجبه عليهم ؛ فلما توطَّنت عليه نفوسهم وباشروا حسن عاقبته وثمرته أُمِروا به فرضا ، وحكمة هذا التدريج : التربية على قبول الأحكام والإذعان لها والانقياد لها شيئا فشيئا ، وكذلك يقع مثل هذا في قضائه وقدره مقدر على عبده بل لا بد منه اقتضاه حمده وحكمته ، فيبتليه بالأخف أولا ثم يرقيه إلى ما هو فوقه حتى يستكمل ما كتب عليه منه " .

والمشاهد أن كثيرا من المرضى يشاهدون من منَّ الله عليهم بالعافية والسمو في آفاق المتعة الإيمانية ، فيسعون في إدراكهم ، ويحاولون مطاولة النجم في علاه بقفزة واحدة ، وعندما يفشلون يرجعون خائبين تاركين المحاولة ويائسين من الشفاء ، ولو أنهم صعدوا السلَّم درجة درجة ، وبدؤوا بالانتهاء عن ما حرَّم الله ، ثم ساروا إلى الفرائض فأتموها ، وأتبعوا ذلك بالنوافل التي لا تشق عليهم ، لوجدوا في نهاية الطريق ما وجد هؤلاء ، ولكنهم قوم يستعجلون.


أيها المتعجِّلون!! أنتم لا ترون سوى قمة الهرم ولكنكم لا تلمحون ما بُذِل فيه من عرق وجهد ، أنتم لا تبصرون إلا اللمحة الأخيرة واللقطة المبهجة والمشهد السعيد ، أما المسلسل الطويل من المجاهدة والصراع والمثابرة والكفاح فما خطر ببالكم قط ، لذا طمعتم في نيل العلا برقدة في الفراش والغرق في أماني الحالمين ، وهذا محال في سوق الآخرة.

ولعل هذا ما قصده كلا من ثابت البناني وعتبة الغلام وهما يرويان قصة كفاحهما المتشابه بل المتطابقة ؛ حتى عبَّر كلاهما عنها بنفس الكلمات تماما ، فقال كل منهما على حدة :

" كابدتُ الصلاة عشرين سنة ، وتنعَّمت بها عشرين سنة " .
وهذه اللذة والتنعم بالخدمة إنما تحصل بالمصابرة والتعب أولا ، فإذا صبر المريض وصدق في صبره أفضى به صبره إلى اللذة كما قال أبو زيد: " ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك"